أحمد بن يحيى العمري

394

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقت ، والعاقل يستروح بمثل ما رأيت من أرواح الأشعار ، وأنفاس الأشجار ، وسألتك الله إلا ما كتمت . قال : فوالله ما ذكرتها حتى مات . وتوفي ليلة الاثنين سادس شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة ، ببستانه بجبل " الصّيقل " ، بظاهر الإسكندرية . ودفن به ، بوصية منه ، وقبره يزار ويتبرك به . وبيع الأثاث الموجود في منزله ، وقيمته دون خمسين درهما ، ورقا بما يزيد عن عشرين ألف درهم تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة ، وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس ! . وقد رأيت خرقة من أثره عند بعض المصريين ، وذكر أنها بيعت في أثاثه بمائة وعشرين درهما . ومنهم : 108 - الفضيل بن فضالة صميم علم أغرق في الحسب ، وأغبق في كرم الحسب ، ترقى للحيرة فعرف الحقيقة ، وتوقى الحيرة فوقف على الطريقة . قال : " إذا شئت أن تصير من الأبدال ، فحوّل خلقك إلى بعض خلق الأطفال ؛ ففيهم خمس خصال لو كانت في الكبار لكانوا أبدالا ، وهي : أنهم لا يغتمون للرزق . ولا يشتكون من خالقهم إذا مرضوا . ويأكلون الطعام مجتمعين . وإذا تخاصموا لم يتحاقدوا وتنازعوا إلى الصلح . وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع " . وكان يقول للمريد إذا أتاه : تصحبني على أربعة خلائق هنّ كنوز الجنة ؛ كتمان الفاقة ، وكتمان المصيبة ، وكتمان المرض ، وكتمان السر . وكان يحب الخلوة ، فإذا خلا رفع عقيرته ، وأنشد قول الرضي : حادثته فضل العتاب وبيننا * كبر الملوك ورقة الملوك من لي به والدار غير بعيدة * والمال غير قليل